St-Takla.org  >   Full-Free-Coptic-Books  >   His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online  >   50-Hayat-El-Touba-Wal-Nakawa
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب حياة التوبة والنقاوة - البابا شنودة الثالث

107- الانسحاق والاتضاع

 

4- الانسحاق والاتضاع:

التائب الحقيقي يعيش بنفس منسحقة، يعصره الخجل والندم، ويشعر بمذلة الخطية. ويسلك بهذه المذلة داخل نفسه، وأمام الله. ويظهر ذلك في معاملاته للناس.

وهو في انسحاقه يبكت ذاته باستمرار على ما اقترفته.

يبكتها على أيام حياته التي ضاعت بلا ثمر، ويبكتها على ضعفها وسقوطها وخيانتها للرب. ويقول لها "كثيرون غيري سبقوني من زمان، ووصلوا إلى علاقات حب عميقة مع الله... وأنا ما زلت أجاهد لأتوب...! فإلى متى هذا التواني والكسل"؟!

ينوح هذا التائب على ذاته التي سقطت، متذكرًا قول مار اسحق "التائب الذي لا ينوح في كل يوم بسبب خطاياه، فليعرف أنَّه أضاع ذلك اليوم، ولو صنع فيه كل خير"...

St-Takla.org Image: Saint Mar Eshak El Soriany (St. Isaac the Syrian), standing. صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس الأنبا مارإسحق السرياني - الأنبا اسحق، واقفًا.

St-Takla.org Image: Saint Mar Eshak El Soriany (St. Isaac the Syrian), standing.

صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس الأنبا مارإسحق السرياني - الأنبا اسحق، واقفًا.

وتبكيته لذاته، يجعلها تتضع، مهما تغيرت حياتها في التوبة.

ومهما فعلت في توبتها من حسنات، فإنَّها لا ترتفع، لأنَّ خطيتها أمامها في كل حين. والإنسان يُذكِّر نفسه بسقطاتها حتى لا ترتفع، وحتى لا تدفعها ثمار التوبة إلى أفكار المجد الباطل. وكما قال مار اسحق أيضًا "إذا حوربت بأفكار المجد الباطل فلا تقبلها. إنما ذكِّر مريم بزناها، وإسرائيل بانغلابه"...

وبلومك لنفسك ومعرفتك لضعفك، تقتنى اتضاع الفكر.

والتائب المتضع يرى أنَّه مستحق لكل حزن يصيبه.

لذلك فإنَّه يقبل كل ما يأتي عليه في هدوء ورضى، وبغير تذمر ولا تعب ولا شكوى، شاعرًا في أعماقه أنَّه يستحق أكثر من هذا بكثير. بل يرتل مع داود قائلًا "خير لي يا رب أنَّك أذللتني، حتى أتعلم حقوقك" (مز 119).

وكلما طالت فترة انسحاق التائب، تزداد توبته عمقًا.

لأنَّه يدرك مذلة الخطية، وبشاعتها، ونتائجها داخل نفسه. كما يدرك أيضًا ضعفه، فيتعوَّد في حياته الاحتراس والتدقيق. ومسكين هو الإنسان الذي في التوبة، يرى أنَّ حياته قد تغيرت، فيظن أنَّه لم يعد في حاجة إلى جهاد وإلى احتراس، ناسيًا ضعفه السابق...!

خطورة على التائب، أنْ يترك الانسحاق بسرعة إلى الفرح.

فالخطية التي لم تأخذ في التوبة حظها من الانسحاق والمذلة، ما أسهل أنْ يعود الإنسان إليها، لأنَّ خطورتها وبشاعتها لم تنغرس طويلًا في أعماقه.

إنَّ داود لم يسرع في توبته إلى الفرح، بل بقى منسحقًا تشهد مزاميره على انسحاقه. ومريم القبطية استمرت سنوات طويلة في انسحاق نفسها. ويعقوب المجاهد استمر حوالي 18 سنة يبكي على خطاياه...

وفي حياة التوبة، ما أخطر الذين ينتقلون بسرعة من الخطية إلى الخدمة، أو إلى اشتهاء المواهب.

وقد يقف إنسان حديث التوبة على منبر الكنيسة، ليحكى خبراته الروحية، فيقول في بساطة "حينما كنت خاطئًا "أو "حينما كنت أعيش في الخطية"... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). كما لو كان حاليًا لا علاقة له بالخطية، التي هي من أخبار الماضي وحده...! وتسأل مثل هذا الإنسان "والآن، ألا تخطئ؟ "فيقول لك "الآن نشكر المسيح "يقصد أنَّه يشكره على البر الذي يعيش فيه... بل قد يتحدث بكل جرأة عن النور الذي يضيء في قلبه حاليًا، والحب الذي يملأ قلبه من نحو الله...

ما أخطر عبارة "حينما كنت خاطئًا"...

إنَّها خالية من الاتضاع. بل تدل على عدم معرفة حقيقية للنفس. وهي لا تتفق مع توبة العشار وصلاته في الهيكل، ولا مع قول بولس الرسول "الخطاة الذين أولهم أنا". ولا تتفق مع كل قصص التوبة في سير القديسين.

أنت يا أخي كنت خاطئًا، وما زلت خاطئًا.

والفرق بين حالتك السابقة، وحالتك الآن: أنَّك كنت خاطئًا ومستمرًا في الخطية، وربما ما كنت تدري بنفسك. أمَّا الآن فأنت خاطئ، وتشعر أنَّك خاطئ، وتجاهد بنعمة الرب معك أنْ تتوب. والتوبة قد تستمر معك طول الحياة، إلى أنْ تصل إلى النقاوة [انظر الباب الخامس الخاص بحياة النقاوة في هذا الكتاب هنا في موقع الأنبا تكلا].

إنَّ الذي لا يشعر أنَّه خاطئ، إنَّما يرتكب بهذا خطية أكبر.

لأنَّه لا يوجد أحد بلا خطية، ولو كانت حياته يومًا واحدًا.

كلنا نخطئ، في كل يوم. وكلنا نقف في كل ساعة أمام الله كخطاة. وفي الصلاة الربية التي نصليها باستمرار، نقول "اغفر لنا خطايانا..". ونردد هذا في باقي صلواتنا. حتى لو كنت صديقًا، هوذا الكتاب يقول "الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ" (أم 16:24).

ربما أنت الآن تائب. ولكنك لست معصومًا. ولن تصل إلى نقاوة القلب إلاَّ بانسحاق النفس.

والذي لا يقتني الانسحاق، ليس هو تائبًا بالحقيقة.

إنَّه -لا شك- لا يعرف نفسه. وهو إنَّما يبني على أساس خاطئ يقوده إلى العجرفة. ما أجمل تلك المديحة التي نقول فيها للرب "الخطية دي طبعي. وأنت طبعك الغفران".

اقرأ عن القديسين الذين تابوا، واحتفظوا بمسكنة قلوبهم.

بل احتفظوا أيضًا بمذلة نفوسهم. وإنْ جاءهم فكر إنَّهم تابوا، كانوا يرجعون الفضل إلى الله "الْمُقِيمِ الْمَسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ" (مز 113). ويصرون على اعتبار أنفسهم خطاة طول أيام حياتهم. مثل القديس العظيم الأنبا شيشوي الذي شاهدوه في ساعة موته يطلب فرصة لكي يتوب.

لذلك مهما نموت في النعمة، الأفضل لك أنْ تقول:

أريد أنْ أبقى في مشاعر التوبة طول عمري.

عِش في انسحاق القلب، لأنَّه "قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِن منسحقي القلب" (مز 34). وإنْ حاربك الشيطان أنْ تصعد إلى الدرجات العليا، وأنْ تجلس في السماويات، وأنْ تحصل على المواهب... فقل: أنا لم أصل بعد إلى شيء من هذا. كل ما أعرفه عن نفسي أنَّني خاطئ يريد أنْ يتوب.

وإنْ دخلت في الخدمة، لا تجعلها تنسيك خطيتك.

ولا تجعل نجاحك في أي عمل روحي، ينسيك دموعك وانسحاقك. بل على العكس وبخ نفسك وقل: مَنْ أنا حتى أخدم. أنا لم أصل إلى روحيات الخادم، مهما كانت لي من معلومات... والمعلومات ليست هي التي تخلص النفس...

إنَّ بولس الرسول ظل منسحقًا حتى بعد الرسولية.

ظلت خطيته أمامه، حتى بعد الرؤى والاستعلانات والعجائب، وحتى بعد أنْ صعد إلى السماء الثالثة، وبعد أنْ تعب أكثر من جميع الرسل (1كو 10:15).

ففي حديثه عن ظهور الرب لتلاميذه بعد القيامة، يقول "وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا. لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ" (1كو 9،8:15). ثم يقول في رسالته الأولى إلى تلميذه تيموثاوس "أنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلًا مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلَكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْلٍ فِي عَدَمِ إيمَانٍ" (1تي 13:1).

ولعلنا نقول له: لست أنت أيها القديس العظيم بولس الرسول، إنَّه شاول الطرسوسي. أمَّا أنت فشخص جديد في المسيح يسوع، كارزًا ومبشرًا ورسولًا وبانيًا للملكوت. ولكن هذا القديس يظل في انسحاقه ويقول "أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا..".

خطيته القديمة انتهت من جهة العقوبة، وليس من الذاكرة.

ما زالت في ذاكرته، تمنحه الانسحاق، والشعور بعدم الاستحقاق. وعلى الرغم من السنوات الطويلة في الخدمة، يحيا فيها كمبتدئ، كأصغر الرسل، كأول الخطاة...

عِش أنت أيضًا كمبتدئ، كل أيام حياتك.

وكأنَّك لا تزال طفلًا في حياة الروح. ويكفيك أنَّ "الرب يحفظ الأطفال" (مز 115). ولا تظن مطلقًا أنَّك وصلت إلى هدفك الروحي. فبولس الرسول العظيم يقول "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ... وَلَكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ... لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ" (في 13،12:3). بل إنَّ القديس العظيم الأنبا أرسانيوس كان يصلي قائلًا "هبني يا رب أن أبدأ"... كأنَّه لم يبدأ بعد...!

الانسحاق علامة من علامات التوبة، ومن علاماتها أيضًا: إصلاح نتائج الخطأ.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/50-Hayat-El-Touba-Wal-Nakawa/Life-of-Repentance-and-Purity-107-Ensehak.html

تقصير الرابط:
tak.la/kpjppb4